فيلم أصحاب ولا أعزّ نظرة نقدية

“الشر […] ينتقل من الكذب إلى كذب ليجردنا من حرية القلب. هذا هو السبب في أن التربية على الحقيقة تعني تعليم التمييز والتقييم والتأمل في الرغبات والميول التي تتحرك في داخلنا، حتى لا نجد أنفسنا محرومين من الخير من خلال “قضم” كل إغراء”.
(نص من تأمل البابا فرانسيس في الرسالة الخاصة باليوم العالمي الثاني والخمسون لوسائل الاتصالات الاجتماعية ٢٠١٨)
إنَّ الأجهزة المختلفة، جنباً إلى جنب مع وسائل التواصل الاجتماعي، تقدّم لنا المعلومات والفرص للتقدم في العلاقات مع الآخرين، لكنها يمكن أن تصبح أيضاً مساحة للحيرة والسقوط، لذلك من الضروري أن تكون علاقتنا مع وسائل التواصل الاجتماعي قوية وبنفس الوقت فطنة، كمستخدمين واعين ومسؤولين.
كلامنا هذا مرتبط بموضوع فيلم “أصحاب.. ولا أعز” وهنا لا ننوي تسليط الضوء أو الانجراف نحو عاصفة الانتقادات التي نالها الفيلم بين معارض ومؤيد، بل ننوي التنويه عن أهمية ربط الحياة الواقعية “الحقيقية” مع الحياة الرقمية “الافتراضية”، مستخدمين مفاتيح تربوية وبعض النصائح.
تدور أحداث الفيلم حول مجموعة من سبعة أصدقاء يجتمعون على العشاء، ويقررون أن يلعبوا لعبة حيث يضع الجميع هواتفهم المحمولة على طاولة العشاء، بشرط أن تكون كافة الرسائل أو المكالمات على مرأى ومسمع من الجميع. وسرعان ما تتحول اللعبة التي كانت في البداية ممتعة وشيقة إلى وابل من الفضائح والأسرار التي لم يكن يعرف عنها أي أحد بما فيهم أقرب الأصدقاء.
فيلم من إخراج (وسام سميرة) وبطولة (منى زكي، إياد نصار، عادل كرم، نادين لبكي، جورج خباز، وفؤاد يمين). وهو مأخوذ من الفيلم الإيطالي “Perfetti Sconosciuti”، وتم عرض الفيلم على منصة نتفليكس في ٢٠ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٢.

أهمية الحوار الصادق

إنَّ فيلم “أصحاب ولا أعز”، يقدم نفسه على ما يبدو بمظهر الكوميديا، لكنه سرعان ما ينزلق في سياق السرد إلى دراما عنيفة وقاسية على نحو متزايد. يشير الفيلم بأصابع الاتهام إلى الهواتف الذكية، التي لها الفضل في تمكين العلاقات من ناحية، ولكن من ناحية أخرى قد تتحول إلى أداة خطرة للكذب و لعيش حياة موازية، حيث أنها قد تحتوي غالباً على أسرار ومعلومات غير منسجمة تماماً مع حياتنا العلنية.
لقد تحدث البابا فرنسيس بالفعل عن هذه المسألة في عام ٢٠١٤، مرة أخرى بمناسبة اليوم العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي: “لا يكفي السير في” الطرق” الرقمية، أي أن نكون ببساطة متصلين بالشبكة: يجب أن يكون الاتصال مصحوباً بلقاء حقيقي”. لذلك، في فيلم “أصحاب ولا أعز”، يوضح لنا تجاوزات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، التي بدلاً من أن تقرّب وتسهّل التواصل، تقوم بتوليد الكسور والصدامات وسوء الفهم.
الفيلم يقدم لنا أزواج يختبرون العزلة في زواجهم، ووحدة تجعلهم ينصبّون على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الهروب. تلك الهواتف نفسها التي تتحول إلى مخدع من اجل الكذب والمراوغة، بدلاً من أن تخلق فرص للمشاركة والحوار.
من وجهة نظرنا: هذا الفيلم لا يسعى إلى شيطنة وسائل أو وسائط الإعلام والتواصل الاجتماعي، إنه بالأحرى يظهر الانجرافات المحتملة في العلاقات عندما لا يكون هناك لقاء حقيقي، ذلك النهج الإنساني الصادق والمثمر.
يجب أن ندرك بأنَّ: وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن تكون مصحوبة بعلاقة صادقة، وإلّا أصبحت مُهَدِدة للعلاقات ومحولة إياها إلى علاقات سطحية ومتعبة.

نظرة تربوية على وسائل التواصل الاجتماعي

كم هي جميلة وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة، خذوا مثلاً أجهزة الهواتف الذكية الجديدة، القادرة على استيعاب جميع جوانب حياتنا اليومية. فهي الذاكرة والأرشيف والأجندة والبريد والمحادثة… إلخ لقد سهّلت حياتنا. ويجب ألّا ننسى أيضاً بأنها تحتوي على تفاصيل حياتنا العامة والخاصة (نعني بالخاصة العائلة والأقرب إلينا). وقد تتحول أيضاً إلى “الصندوق الأسود” الذي يحتوي على حياتنا السرية، أي تلك الحياة التي لا نريد إخبار الناس عنها. الحياة السرية التي في أجهزتنا لا تتكلم فقط عن المواضيع العاطفية، بل أيضاً عن مواضيع العمل المهني والصداقات والخبرات… إلخ.
هواتفنا تُظهر واقعاً نعيشه، حيث نتوهّم بعض الأحيان ونحن ننظر عبر شاشات أجهزتنا بأننا نعيش حرية رائعة وكاملة، فنكتشف بسببها أيضاً بأنها زائفة فقد تكون منفصلة عن الواقع. فنقع كما وقع أبطال الفيلم في سوء الفهم والمفاجآت، فتتحول القصة إلى خيبة أمل متزايدة. في الفيلم لن يقع أي من هذا، لأن اللعبة الخطيرة تلك لم تُلعب من الأصل، كما سيظهر في ختام الفيلم، ومن يُعيد الفيلم للمرة الثانية، سيفهم في الختام عبر النظرات والكلمات بأن الجميع يعرف كل شيء عن الآخر رغم أنّ الصندوق الأسود ظل مغلقاً، لأنّ تصرفاتنا تكشف ما في قلوبنا.
الفيلم ممتع، وأيضاً لا يخلو من بعض المقاطع غير المقبولة في أوساطنا الشرقية، ومع ذلك، على وجه العموم، ومن وجهة نظر رعوية، يجب تقييمه على أنه معقد وإشكالي ومناسب للنقاش.

فيما يلي بعض النصائح المتعلقة بشبكات التواصل الاجتماعي والعلاقة مع الآخرين:

(مأخوذ بتصرّف من كتيّب “توصيات من أجل استعمال وسائل التواصل” – دائرة الإعلام السالسي ٢٠١٥)
لكوننا جزء من الكنيسة والمجتمع، فإن على سالزيان دون بوسكو وجميع العاملين والمتعاونين معهم، التعبير عن المعتقدات الشخصية بنهج مؤدب وأمين ومحترم. بالتالي يجب استخدام “الأسلوب الوقائي السالسي” في الرسائل وفي اختيار الوسائط المستخدمة لتسويقها، متأكدين بأنها تتصف بالسمات التالية:
نشطة لكن حريصة، ومُتفائلة لكن واقعية، ومبتكرة لكن انضباطية، وأخلاقية لكن مهنية، بالنسبة لنا من المهم تطبيق هذه السمات في واقعنا الافتراضي والحقيقي، مع الاحتفاظ بموقفنا واحترام ذوي الأفكار المختلفة.

بناءً على ذلك:

● أن نكون مُتسامحين مع أفكار الآخرين ومُنفتحين على الآراء الأخرى.
● في النقاشات الجدلية، استخدام لهجة متوازنة وهادئة مما يُعبر عن تقدير الفرد.
● الاحتفاظ بالهدوء وبوضوح الهدف حتى وإن بدت المناقشة غير مُقنعة.
● استكشاف مخاوفنا أو مخاوف الأشخاص من أتباع الديانات الأخرى.
● الوعي بأن منصات الإنترنت ليست مكان للتشهير أو العنف ضد حقوق الإنسان أو عدم التسامح أو احتقار لون البشرة أو مكان الولادة أو أي أمر آخر ممكن أن يقود إلى سوء الفهم في هذا المجال.
● عدم التسبب في خلق مناقشات حادّة، أو / وعدم المشاركة في إحداها إن حدثت. وإذا تورط أحد في إحداها، فيجب المحافظة على الهدوء والإيجابية المنفتحة على النقاش. والمبادرة للاعتذار في حال ارتكاب خطأ.
● البقاء بعيداً عن اللهجة الساخرة ورسائل السخرية، لأنها تُشعل العواطف بسهولة وتخلق الشجار.

بقلم الأب السالزياني بيير جابلويان مندوب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط

مهرجان السينما السالزياني الشبابي

بعد مشاركة آلاف الشباب من حوالي 110 دول حول العالم (من بينهم شبيبة من إقليمنا)، وبمرافقة ومتابعة مئات الرهبان السالزيان..

يتم الاحتفال بمهرجان السينما السالزياني الشبابي، الذي استمرت تحضيراته لما يقارب العام.

تحت عنوان: “مدفوعون بالأمل

حيث تتمحور الأفلام الطويلة والقصيرة وفيديوهات الرسوم المتحركة والمقاطع الموسيقية المشاركة كلها حول الأمل والرجاء.

سيتم عرض حفل المهرجان اليوم الخميس وغداً الجمعة 18 – 19 / تشرين الثاني (نوفمبر)، على المسرح الكبير في فالدوكّو – تورينو – إيطاليا 🇮🇹

غداً الجمعة 19/11 في تمام الساعة 7.00 – 8.30 مساءً بتوقيت القاهرة ودمشق وبيروت والقدس.

بحضور الرئيس العام للرهبنة الأب آنخل فرنانديز آرتيمه، ومدير المهرجان الأب هاريس باكان، وعدد من الشخصيات السالزيانية من رهبان وعلمانيين.

سيتم عرض مجريات المهرجان والأفلام المشاركة والمعروضة مباشرة Online عبر المنصات التالية:

Agenzia Info Salesiana – Ans

Don Bosco Global Youth Film Festival

غداً الجمعة 19/11 في تمام الساعة 7.00 – 8.30 مساءً بتوقيت القاهرة ودمشق وبيروت والقدس.

في حين تعرض أفلام الفائزين على الموقع الإلكتروني:

www.dbgyff.com

سالزيان الشرق الأوسط

دون بوسكو: الواقع الرقمي والافتراضي

– المقال الأول –

“أصدقائي الأعزاء!
على مدار الـاثني عشر شهراً القادمين، سأقدم لك سلسلة من المقالات تحت شعار “دون بوسكو، الواقع الرقمي والافتراضي”.
أشارككم هذا الشهر الجزء الأول من السلسلة ، بعنوان دون بوسكو: “رؤيته وتعليمه منذ طفولته – جذور المحاور العظيم” .
الأب (جيلدازيو مينديز)، المستشار العام للتواصل الاجتماعي
في هذا المقال الأول ، أركز على دور الفنون والألعاب كيف لعبت دوراً حاسماً ومهماً في تعليم يوحنا بوسكو كصبي وشاب.
نظرًا لأن الفن والألعاب كانت مهمة جداً بالنسبة لدون بوسكو في التواصل ، أعتقد أنها مازالت تواصلُ لعبَ دور مركزي للغاية في حياة الشباب من خلال الوسائط الرقمية والشبكات الاجتماعية.
دعونا نذهب معاً لمعرفة متى وكيف بدأ دون بوسكو الانخراط في الفنون والألعاب وكيف طور مهارات الاتصال لديه..
أحد المفاتيح الضرورية لمساعدتنا في الإجابة على هذا السؤال هو العودة إلى طفولته ومراهقته، تعود جذور قدراته في التواصل من خلال الفنون والعلاقات عندما كان صبياً – في مسقط رأسه في “كاستل نووفو” في منطفة “آستي” بالقرب من تورينو – التي عمل على تطويرها
نشأ يوحنا بوسكو مع والدته “مارغريتا” التي كانت الدليل والمرشد له، من خلال حبها وعنايتها وإيمانها العميق، فتدرّب على التعبير عن نفسه بشكل كامل وبذل قصارى جهده لإدارة حياته والنمو كإنسان ناضجٍ فنياً وروحياً.
أولاً، أودُّ أن أؤكدَ على كيفية مساهمة الفنون والعلاقات في طفولة يوحنا بوسكو بشكل كبير في تطوير قدراته على التواصل.
في قصة حياته المذكورة في (مذكرات أوراتوريو السالزيان)، يكتب دون بوسكو بطريقة بسيطة وشفافة للغاية حول ما يحب فعله، وكيف كان يطور مهاراته في مجال الموسيقى والألعاب والمسرح والخياطة، وكذلك قدرته على العلاقات الاجتماعية والقيادة بين أصدقائه.
وصف بعبارات بسيطة كيف أحبَّ الموسيقى، حتى أنه وصفَ موهبته في الغناء!
“نظراً لأنني أيضاً كان صوتي جيداً، فقد علّمني (جيوفاني روبرتو، الخياط) الموسيقى، وفي غضون بضعة أشهر، تمكنت من الصعود إلى جوقة الكنيسة وأن أرنم معها مقطوعات من الموسيقى المقدسة”.
(مذكرات أوراتوريو السالزيان ص 49)
فن الموسيقى والأداء هو مدرسة حقيقية حيث يبوح الفرد بما يشعر في خوالجه، ويبدأ رحلته الداخلية نحو نفسه، من خلال الموسيقى استجاب الصبي يوحنا بوسكو لرغبته العظيمة في التعبير عن نفسه، تابعاً صوت قلبه، فوفرت له مجالاً لخياله وإبداعه.
عندما واجه يوحنا الحاجة إلى تعلم الموسيقى، أدرك أهمية الانضباط: الغناء يتطلب الالتزام، وكذلك تعلم العزف على البيانو.
بدأ يدرك أن الأشياء تحدث خطوة وراء خطوة، وأن التعلم هو مواجهة بين الشغف الداخلي والانضباط، والحدس والقواعد، والموهبة والخطوات اللازمة لتعلم شيء جديد.
كان هذا الإدراك التعليمي الضمني مهماً ليوحنا بوسكو، عندها بدأ يتعلم أن كل شيء في الحياة يتطلب: الموهبة والإبداع والالتزام والتدريب.
بالإضافة إلى الموسيقى، يتحدث عن مهارته في الألعاب، من المثير للاهتمام أنه يصف كيف كانت الموسيقى والألعاب والدراما أشياء قام بها أثناء دراسته، إنه يوضح كيف بدأ بتطوير الانضباط والوعي وذلك لأهمية تطوير الأنشطة البدنية والفنية والروحية والدراسية كلها مع بعضها البعض. يقول:
“في خضم دراستي والاهتمامات الأخرى، مثل الغناء، والموسيقى، والتدرّب على الخطابة، والمسرحيات التي قمت بهم من كل قلبي، تعلمت أيضًا مجموعة متنوعة من الألعاب الجديدة: حيل الورق، والكرات الملونة، لعبة قذف حلقات الرمي والمشي على ركائز خشبية متينة، والجري والقفز، وكل ما استمتعت به من ألعاب، لم يكن مستواي فيهم ضعيفاً، وحتى لم أكن بدرجة البطل.”
(مذكرات أوراتوريو السالزيان ص 66)
يُظهر اهتمام دون بوسكو الكبير بالألعاب وتفانيه في لعبها شيئاً أكبر من قدراته وطريقته في التعليم.
في كتابه عن أهمية الألعاب عند يوحنا بوسكو، يقول آرثر لينتي (2014) ما يلي:
“لم يدرك دون بوسكو فائدة اللعب لقضاء وقت الفراغ فحسب، بل هي أيضًا تنمية متكاملة للشباب. بالنسبة له ، التعليم يعني مساعدة الشاب على النضوج. اللعبة نشاط ضروري حتى يصل الشاب إلى مرحلة النضج. لمساعدتهم على تصحيح جوانب الانحرافات لديهم، والتعرف على بعضهم البعض من خلال التنافس مع الآخر ، والتعرف على نزواتهم والتحكم فيها”
(دون بوسكو، تاريخ وروحانية، المجلد 1، ص 99).
من خلال تعلم الموسيقى والتمثيل والغناء وممارسة الألعاب، تعلم كيف يعبر عن نفسه بحرية وبشكل أصيل. من خلال تعريض نفسه لمجهول الموسيقى والمخاطر التي تنطوي عليها الألعاب والجري والقفز، اكتسب إحساساً داخلياً واقعياً وقوياً بما يمكنه أو لا يمكنه فعله. طور يوحنا بوسكو إحساساً ببذل قصارى جهده لتحقيق شيء ما، لإنجاز شيء يحفزه على الاستمرار، ومعرفة المزيد، ليكون أفضل.
تتطلب الفنون مثل الموسيقى والمسرح والغناء أن يكشف الأفراد عن أنفسهم الحقيقية، خاصة عندما يؤدّون هذه الأشياء أمام الآخرين. هي مناسبات للتقييم والتقدير والنقد والثناء. لا تفتح الفنون أي مجال لإخفاء شيء أو للكشف عن شيء غير صحيح عن الذات. إذا قال الناس إنهم يستطيعون العزف على آلة موسيقية، فيجب أن يكونوا قادرين على العزف عليها، وإظهار أنهم يعرفون ما يفعلونه، وإلا فهم يتعرضون للنقد على الفور، تكشف الفنون حقاً عن الشخص الحقيقي.
كما تسمح الفنون والألعاب للفرد بتجربة الشعور بالحرية ضمن القواعد لتعلم الموسيقى، على سبيل المثال، يتعين على المرء أن يتبع قواعد الموسيقى، و “رياضيات” الموسيقى، ومنطق الألعاب، والخطوات التي تتطلبها جميع الفنون والرياضة.
من خلال الفنون والألعاب يعبر الأفراد عن خيالهم الإبداعي، تكشف مهارات دون بوسكو الفنية الكثير عن قدراته على التواصل.
يقول بيترو بروكاردو (2005):
“يمكن تسليط الضوء على جرأة دون بوسكو وشجاعته وخياله الإبداعي”
(دون بوسكو قديس بعمق إنسان بعمق، ص 7).
من خلال تطوير خياله الخصب المتوافق مع إلهامه وانضباطه وقواعد الفنون المختلفة، شرع الصبي يوحنا بوسكو في العمل على مسار قيّم لتطوير نفسه في مجالات أخرى مثل الدراسة والعلاقات الإنسانية.
مع تقدمه في وصف مهاراته العديدة ، كشف عن دافع مهم لأداء الموسيقى والفنون والألعاب:
“في (بيكّي) كان هناك حقل نمت فيه عدة أشجار، كانت إحداها، وهي شجرة إجاص لا تزال موجودة، كانت مفيدة جدًا لي حينها. اعتدت أن أربطها بحبل من شجرة أخرى على بعد مسافة ما. كان لدي طاولة بها حقيبة ملابس، وعلى الأرض سجادة للقفز. عندما أكون أنهيت كل شيء فيما يكون الجميع متحمساً لرؤية باندهاش آخر عروضي البطولية، كنت أدعوهم لتلاوة المسبحة وغناء ترنيمة”.
(مذكرات أوراتوريو السالزيان ص 39)
كان يوحنا بوسكو شخصاً منفتحاً، كان يحب التواصل مع الناس والتعرف عليهم و تكوين علاقات طيبة معهم، وهكذا أصبحت الفنون والألعاب وسائل مهمة لجذب الجمهور وتثقيف أصدقائه.
في وقت سابق من حياته بدأ يدرك أهمية اللغة في توصيل رسالة مسيحية. أصبحت الفنون لغة بالنسبة له، أصبحت الألعاب وسيلة تواصل، أصبح التفاعل وسيلة لمشاركة شيء ما وتعليمه..
في النهاية ، كانت العلاقة بين الأشخاص هي التي لعبت دوراً أساسياً في قدرات التواصل لدى دون بوسكو.
بالإضافة لذلك، ومن خلال تطوير العلاقات مع أصدقائه نشأ لديه إحساس بمعرفة نفسه والآخرين، وكيفية التفاوض مع آراء الآخرين، وكيفية الإقناع والقيادة بإحساس بالوعي الذاتي، واتخاذ المبادرات، والتعلم من أخطائه، وتقييم الأشياء واختبار الفرح بصحبة الآخرين.
من خلال تعريض نفسه للفنون والعلاقات، بدأ يوحنا بوسكو وهو صبي يلعب بالكلمات، و يعطي معنى لها، يربط الكلمات برموزها، ويطور المهارات اللغوية، يربط المشاعر بالكلمات، ويعبّر عن خياله من خلال الأعمال الفنية، يضع معتقداته و أفكاره قيد الحركة، و يكتسب الشجاعة للتواصل مع زملائه بالإضافة للمخاطرة بأداء جيد في كل ما كان يفعله فنياً.
من خلال اتباع هذه الخطوات، انطلق يوحنا بوسكو الصبي في الطريق الطويل الذي أدى به إلى كونه متواصلًا أصيلاً وحقيقياً.
تعلم دون بوسكو التواصل من خلال الفنون والألعاب، سرعان ما فهم أن اللغة هي مفتاح التواصل، ووضع قلبه في كلماته، لقد اختبر إحساساً بالجمال والفرح من خلال القيام بكل هذه الأشياء.
كانت لديه رؤية خفية ترشده.. فأصبح هذا دافعاً ألهمه من الداخل.
هذه الجوانب ضرورية في العالم الرقمي. الشباب يعرفون ذلك دائماً..

الأب جيلدازيو مينديز
المستشار العام للتواصل الاجتماعي في الرهبنة السالسية