الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



  • image
  • image
Previous Next

بابا السلام فى مصر السلام

بابا السلام فى مصر السلام
خبرة شخصية من زيارة قداسة البابا فرنسيس لمصر

كنت على أمل أن المقال التالى الذى يتبع حادث تفجير الكنيستين المصريتين السابق سيكون مقالاً فيه أخبار سارة ومفرحة للقلوب. وها قد تحقق، فاليوم أشارككم أحبائى بأكثر الأحداث فرحةً وبهجةً ولعله من أجمل الأحداث التى حدثت فى مصرنا الحبيبة على الإطلاق حتى الآن.

إنها الزيارة التاريخية لقداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان إلى مصر بلد الأمن والأمان. حيث جاءت هذه الزيارة تلبيةً لدعوة كل من سيادة رئيس جمهورية مصر العربية – الرئيس عبد الفتاح السيسى ودعوة قداسة البابا المعظم البابا تواضروس بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ودعوة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف.

حيث أعلن الفاتيكان عن موعد هذه الزيارة التى استغرقت يومين وكان المحدد لها أن تكون فى السابع والعشرين من شهر أبريل الحالى. وقد استقبل الشعب المصرى هذا الخبر بفرحة عارمة حيث أن للبابا فرنسيس شهرة كبيرة كرجل سلام ولكونه شخص بسيط متواضع. فشعب مصر المسيحيين والمسلمين جميعاً يُكن لقداسة البابا فرنسيس كل إحترام وتقدير.

حقيقةً رسالة السلام لم تبدأ بزيارة قداسة البابا فرنسيس إلى أرض مصر لكنها بدأت قبل أسبوعين من تلك الزيارة عقب حادث التفجير الأليم الذى تعرضت له كنيستى مارمرقس ومارجرجس ووقتها تسائلت وسائل الإعلام المصرية والعالمية هل سيلغى أو يؤجل قداسة البابا فرنسيس زيارته إلى مصر؟ وكانت الإجابة من الفاتيكان أن البابا لن يتخلى عن رحلة السلام بل أصبحت هذه الرحلة أكثر إلحاحاً لتعزيز قوة حوار الأديان ورداً قوياُ على أى محاولات لنشر الفوضي فى البلاد.

و قبيل ساعات من زيارته المقررة إلى مصر وجه البابا فرنسيس كلمة مرئية إلى المصريين حيث قال البابا بلكنة عربية خفيفة "السلام عليكم"، كما حرص على أن يختتم كلمته بـ"تحيا مصر" التي نطقها أيضاً بالعربية. وأضاف البابا: "يا شعب مصر الحبيب، بقلب فرح وشاكر سأزور بلادكم بعد أيام، هذا وطنكم العزيز مهد الحضارة، وهبة النيل، وأرض الشمس والضيافة، وأنا سعيد حقًا آن آتي كصديق وكمرسل سلام، للأرض التي كانت ملجأ وضيافة للعائلة المقدسة". وأضاف: "عالمنا الممزق من العنف الأعمى والذي ضرب وطنكم العزيز، يحتاج للسلام والمحبة والرحمة يحتاج لصانع سلام ". وأنهى خطابه قائلاً: "المصريون شباب وشيوخ، ونساء ورجال، ومسلمون، ومسيحيون، أغنياء وفقراء، أعانقكم بمودة، وأطلب من الله العلي القدير أن يبارككم، ويصون بلدكم صلوا من أجلي، شكرًا وتحيا مصر".

والجدير بالذكر أن المتحدث الرسمى بإسم الفاتيكان أشار بأن البابا لن يستخدم سيارة مصفحة ليرسل للعالم أجمع أن مصر بلد الأمن والأمان وأنه لا يخشى الموت من أجل السلام.

وجاء اليوم المرتقب الذى انتظرته بفارغ الصبر حين وطأت أقدام رجل الله رجل السلام على أرض بلادى الحبيبة حيث اكتست مصر بثوب الفرح وزينت العاصمة باللوحات الإعلانية بشعار "بابا السلام فى مصر السلام" وقام السيد رئيس الوزراء ولفيف من الأساقفة بإستقبال قداسته من مطار القاهرة الدولى بترحيب شديد مقدمين له باقة من الورود على أيدى الأطفال.

ثم توجه قداسته مباشرة إلى قصر الإتحادية "قصر الرئاسة" حيث كان فى استقباله سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية وقد أجريت مراسم استقبال رسمية لقداسته. ثم توجه قداسته للقاء فضيلة الإمام الأكبر الدكتور الطيب تلبيةً لدعوته لزيارة الأزهر.

وبعد ذلك توجه قداسة البابا إلى فندق الماسة حيث انعقد المؤتمر العالمى للسلام حيث أعرب السيد الرئيس فى كلمته عن ترحيبه بقداسة البابا فى مصر وأشاد بمواقف البابا العديدة التى تقوم على تشجيع التسامح والسلام. ومن جانبه أيضاً شكر البابا فرنسيس الرئيس السيسى على دعوته لزيارة بلاده وكلمات الترحيب الطيبة ومن أجمل ما ذكره قداسة البابا فى كلمته :"علينا جميعاً واجب أن نُعلّم الأجيال الجديدة أن الله خالق السماوات والأرض ليس بحاجة إلى حماية من البشر بل على العكس هو الذى يحمى البشر وهو لا يرغب مطلقاً فى موت أبنائه بل فى حياتهم وسعادتهم. إن الإله الحقيقى يدعو للمحبة غير المشروطة وللمغفرة المجانية وللرحمة ".

ثم توجه قداسته بعد هذا إلى المؤتمر مباشرةً إلى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية حيث التقى مع قداسة البابا تواضروس وأسفر هذا اللقاء توقيع إتفاقية بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية بإنهاء الخلاف حول إعادة سر المعمودية، حيث يعتبر هذا الحدث صحوةً إيمانية وخطوةً كبيرة فى الطريق إلى وحدة الكنائس. بعد التوقيع على هذه الإتفاقية توجها معاً يتقدمهم موكب من الشمامسة بالألحان القبطية إلى الكنيسة البطرسية "كنيسة الشهداء" حيث أقيمت صلاة مسكونية لطلب الوحدة بين الطوائف وفى نهاية الصلاة اتجه قداسة البابا إلى نصب تذكارى خارج الكنيسة به صور شهداء الكنيسة وحائط به دماء للشهداء حيث أشعل البابا فرنسيس شمعة للصلاة على أرواح ضحايا الحادث ووضع باقة من الورد أمام حائط الدماء بعد أن أخذ بركة من هذا الحائط المقدس.

وفى نهاية هذا اليوم توجه البابا إلى سفارة الفاتيكان حيث أنهى يومه بالصلاة مع 300 شاب وفتاة من مختلف محافظات مصر .

أما اليوم الثانى فقد اتجه قداسته لإستاد الدفاع الجوى حيث صلى القداس الاحتفالى بحضور حوالى 25 ألف شخص ولفيف من الأساقفة والكهنة والراهبات. وفى لحظة دخول البابا إلى الاستاد انطلقت البالونات فى الهواء ومسبحة من البالون وصورة للعذراء مريم فى الهواء أيضا واطلق قفصين من الحمام فى الجو ودخل البابا الإستاد فى عربة الجولف المكشوفة وبارك الجمهور كله وسط تصفيق حار كما أطلقت السيدات الزغاريد تعبيراً عن فرحتها بملاقاه قداسته وبدأ القداس الإلهى بالطقس اللاتينى كما صحبته بعض الألحان القبطية. وفى خلال عظة البابا تحدث عن قدرة الله التى تتعلق بالمحبة والمغفرة والحياة، مشيراً إلى أن صلب المسيح وقيامته من بين الأموات هى مثال على ضرورة صلب أفكارنا المتحجرة لنرى صورة الله المحب وليس الجبار وأن الإيمان الحقيقى هو الذى يجعلنا أكثر محبة وإنسانية.

وعقب انتهاء القداس الإلهى توجه قداسة البابا إلى الكلية الإكلريكية بالمعادى حيث أكد البابا أن مصر ساهمت كثيراً فى إثراء الكنيسة بالكنز الذى لا يقدّر والمتمثل فى حياة الرهبنة والكهنة ودعا الحضور إلى التحلى بالشجاعة والمضى قدماً إلى الأمام.

وكانت الكلية الإكلريكية هى المحطة الأخيرة للبابا فى مصر قبل مغادرة قداسته إلى بلاده من مطار القاهرة حيث قام سيادة الرئيس بإصحابه للمطار وشكره على زيارته المباركة.

أما بالنسبة لخبرتى الشخصية كمربية فى مركز دون بوسكو. فرؤية قداسة البابا فى الاستاد والصلاة معه بقلب واحد جعلتنى أشعر بأننى قريبة جداً من ممثل يسوع على الأرض. زيارة البابا أيقظت بداخلى وطنيتى وتمسكى ببلدى على الرغم من كل الأحداث التى مرت بها مصر فى الوقت السابق. فكرت كثيراَ كيف لرجل كبير فى السن أن يذهب لأكثر من لقاء فور وصوله من السفر وأيقنت أنها قوة الحب والتضحية التى أشعلت بداخله طاقة لتحمل التعب. كيفية تسامحه وعلاقته الطيبة مع الآخر المختلف عنه فى الديانة. إحترامه لطقوس الطوائف الأخرى بل ودعوته المستمرة لوحدة الكنيسة. اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة كمباركته لنيل مصر. وكلماته الممسوحة بالروح القدس التى تخترق القلوب. والشئ الأكثر تميزاً هو ابتسامته الرقيقة لجميع من حوله تعكس النقاء والصفاء والتواضع الذى بداخله. كل هذا جعلنى أرتب دوافعى تجاه خدمتى وتجاه الآخر . ببساطة شديدة بابا السلام ترك السلام فى قلوبنا وفى بلادنا.

 

                                                     ميرنا عصام الدين

                                                     دون بوسكو الزيتون – القاهرة