الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

  • image
  • image
  • image
Previous Next

الصوم ليس امتناع عن...  بقدرماهو اتحاد مع...

 

الصوم ليس امتناع عن...

 بقدرماهو اتحاد مع...

بقلم الأب السالزياني داني قريو ..

يُفتتح إنجيل الأحد الأول لزمن الصوم بهذه الآية : "ثم سار الروح القدس بيسوع إلى البرية ليجربه إبليس أربعين يوماً

وأربعين ليلة"، إنّ الرقم أربعين هو رقم مميز في الكتاب المقدس، هو زمن العبور.

 


حكم شاول وداوود وأيضاً سليمان أربعين عاماً؛ وعظ يونان أربعين يوماً من أجل أهتداء نينوى؛دُعي موسى عندما كان لديه 40 سنة؛ وبقي 40 سنة في سيناء؛ وكذلك بقي الشعب اليهودي 40 سنة في الصحراء. صام يسوع 40 يوماً في البرية؛ وجرب كذلك 40 يوماً؛ وعظ لمدة 40 شهراً؛ وبقي في القبر 40 ساعة وظهر لمدة 40 يوماً قبل صعوده إلى السماء.

الزمن الأربعيني هو الزمن الضروري لحدوث تغيير، تبديل، ليتم أمر ما. الزمن الأربعيني ليس الـ 40 يوما قبل الفصح. إنّما هو الزمن الكافي لتنمو، تتعب، تبكي، تئنّ... فتصل هكذا للهدف المراد. هو الزمن الذي به تعبر من حالة إلى أخرى، هو إذاً الزمن الكافي لتنضج وتتغير.

ولاهوتيّاً هذا الزمن هو 90 يوماً، أربعون منها استعداد (للصوم) وخمسون للتمتع بفرح الاستعداد، خمسون يوماً فرح الانتصار والقيامة ". زمن الصوم هو بداية جديدة، طريق تقود نحو هدف أكيد: فصح القيامة، انتصار المسيح على الموت "، (رسالة البابا فرنسيس للصوم 2017).

الصوم والصلاة:

عكس الصوم هو التخمة أي الامتلاء بالطعام فكلما امتلأ الإنسان بالطعام ثقل جسده، وبالتالي نعس واسترخى وفقد الإحساس. أما الصائم فهو الإنسان خفيف الظل وليس فقط خفيف الجسد، الشخص المستعد والجاهز لأي خدمة. غير مثقلٍ بعمليات الطحن والهضم الذي بإمكانه السهر والصلاة بسهولة أكثر.

فنحن نلاحظ كيف أنَّ التلاميذ بعد العشائين، كيف أثقل النعاس أعينهم وهم في بستان الزيتون ولم  يستطيعوا حتى السهر مع الرب يسوع ساعة واحدة  ( متى 26، 40).

إن الصوم مع الصلاة يساعد الإنسان على أن يكون يقظاً ساهراً مستنيراً. فكل القديسين الذين أتقنوا الصوم والصلاة اشتهروا باستنارة العقل وقوة الإرادة، والإحساس المرهف.

لماذا نصوم؟

إنّ الصوم ليس لإرهاق الجسد أو لإذلال النفس. الصوم ليس حرماناً وامتناعاً ! الصوم إن لم يكن له فائدة أو هدف ما، لامعنى له ولا حاجة إليه.

فقد نجد إنسان يصوم لأن الأطباء أمروه بذلك.

أو قد يصوم آخر من أجل رشاقة بدنهه وحسن مظهره !

وقد يصوم ثالث، لأنه مضربٌ عن الطعام، وقد يصوم آخر لأنه حزين و يائس ولا شهية له. لكن؛

هل هذا هو الصوم الذي تطلبه الكنيسة؟
الصوم لا قيمة له إذا لم يدخلنا في روح الله، الصوم أيضاً لا قيمة له إن لم يُزد من علاقتنا مع الله.
فالصوم عند المسيحيين ليس التقليل من الطعام أو تغيير نوعه. هذه طرق ووسائل لكن ليست الجوهر.  جوهر الصوم هو الارتقاء عن الماديات، الارتقاء عما يعيقنا للتمتع بالحياة الحقة. هو للارتقاء والتنعم بالروحانيات والعشرة مع الله.

فمن يصوم كأنه يقول لجسده، أنا لست متفرغاً لك الآن، أكلت أم لم آكل هذا لم يعد يهمني أو يشغلني. "لِكُلِّ شَيْءٍ وقتٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ " (جا 3،1).

من الآن وصاعداً، أنا مشغولٌ بأمرٍ أسمى، مشغولٌ بأمر اتحادي مع الرب. من الآن فصاعداً  "طعامي هو أن أعمل بمشيئة من أرسلني".

بفضل الصلاة والصوم تعبر العصارة الإلهية إلينا، أي أمتلئ من DNAالله، أشعر كما يشعر هو، وأتصرف كما يتصرف هو، أصبح كالقديس بولس: "لست بعد أنا الذي أحيا، بل المسيح يحيا فيّ" (غلا 2،20).  فعندما خاب أمل الجموع في التلاميذ عندما لم يستطيعوا طرد الروح الشرير من الولد المصروع، وسألوا الرب يسوع، فأجاب: "هذا النوع لا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (متى 17، 21). أي صومٍ هذا !؟  إن لم نمتلئ من روح الله، من عصارته من نعمته...

فنحن لا نصوم فقط من أجل الامتناع عن بعض المأكولات اللذيذة أو التوقف عن بعض العادات السيئة، إنّما لتعزيز وتوطيد علاقتنا بالرب يسوع - وهذا ما لا يحتمله الشرير-  علاقة العشرة والرفقة بين الله والانسان، علاقة الحب وصلة الروح التي تجمع الانسان بالله، - التي حُرم منها الشيطان- هذه ما تجعله يصرخ ويهرب ويئنُ.

بالصوم تنتقل المعركة منّا إلى الرب تكون المعركة معركة الرب. الرب هو الذي يواجه الخطر عنّا، بالتالي المعركة تكون مع الله وليست معي. أي من اعتدى عليّ، فقد اعتدى على الله. ظل يوسف البار يفكر كيف يترك مريم أما عندما نام وترك الفكرة تدخل الله وبدأ يعطي الحل. عندما لا نفكر بالمشكلة يدخل الرب لأنك عندما تفكر بالمشكلة تكون مشغول بالمشكلة أما عندما لا تفكر بالمشكلة تفسح المجال لباب الحرية أمام إله ليتدخل. كان يرد البابا كيرلس " كن مطمئناً جداً جداً ولا تفكر في الأمر كثيراً بل دع الامر لمن بيده الأمر".

يسوع واجه الضعف البشري بالصلاة والصوم. أثناء المحن الصعبة لا المال ولا القوة ولا الشهرة تستطيع أن تفعل شيئاً. هناك المثل الشعبي الذي يقول: "خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود"،  إن جاء اليوم الأسود لن ينفع لا القرش الابيض ولا الاحمر ولا حتى النيلي. فقط الصلاة والصوم هي التي تنفع وتفيد.

لقد جرّب هذا الأمر نحميا، وعزرا ودانيال. وجربته الملكة إستير من أجل الشعب كله. وجربته الكنيسة أثناء الهرطقات والمحن الصعبة. لذا أصبح راسخاً في ضمير الكنيسة الحي المعاش. فإن كان الانسان منصرفاً إلى رغباته وشهواته، ومنشغلاً بالجسديات والماديات فإنه لايشعر بحضور الله، لا لأن الله بعيد إنما لأنه فقد الإحساس بالروحيات. أما زمن الصوم فهو الزمن الممزوج بالصلاة والروحانيات، ففيه يشعر الإنسان أنه يَسبح في بحر الله وأنه مغمور من نظرة الحنان الإلهي.

الصوم والصدقة

فالصوم هو ارتقاء القلب والفكر والارادة، للدخول في منطق وفكر ومشاعر الرب. الصوم هو هذا الامتلاء من نعمة الله وفيضها على الآخرين. الصوم هو التجرد من ماهو لدي ووهبه للمحتاج، هو التنعم من العشرة مع الله وسكبها على الوحيد والمتروك. الصوم هو غمر الآخر بما غُمرت به من حنان ونِعم وسلام وبركات الله.  

نلخص مما ذكرناه أن هذا الزمن الأربعيني ليس فقط امتناع عن... بقدر ما هو اتحاد مع...

فبالصلاة أتحد مع الله!

وبالصوم أتحد مع نفسي!

وبالصدقة أتحد مع قريبي!

هذا تطلبه الكنيسة في هذا الزمن المقدس (صوم وصلاة وصدقة)

                                بقلم الأب السالزياني داني قريو - القاهرة - الزيتون

 

scuola Nazareth

al fidar photo