الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

المقالات

قصة بلد الآبار

بلد الآبار

 

يا للمفاجأة!... ما هذه الأشياء الغريبة، المعرضة للشمس القوية والجافة؟

سماء، رمال، حر شديد، في أرض جرداء قاحطة، ثمّ آبار وآبار، وآبار...

 

كل بئر له وجه، منه الحزين أو السعيد، منه الجريء أو المضحك، منه الخجول أو القوي، منه مؤنث وغيره المذكر...

كلها آبار مسمّرة على الأرض ومجبرة بزمالة جيرانها دون سابق اختيار. "مجاورة" لا بد منها وغير مستحبة.

 

 

ها هي الآبار، خرساء ولا مبالية، لا تلتفت ولو لنظرة واحدة إلى البئر المتحسّر

 

-         لا شيء... لا شيء جديد يحصل هنا أبداً. كل يوم يمر كغيره من الأيام. ها هي جوفي وحوافي تتآكل..

-         إيييييييييييه... يا للملل!

-         إح.. إح.. إح..

-         وأنا أجلس مفكراً..

-         أوف.. ما هذه الرائحة الكريهة التي تخرج من البئر الأسود بجانبي! أفضّل أن أبقى بعيداً عنه..

-         من يعتقد نفسه هذا البئر؟ ألأنّ لونه أبيض يتصرف هكذا؟ بشع بشواربه وحقير..

 

 

 

-         صباح الخير.. كيف حالك؟

(وهو يفكر) لمَ لا تهتمّ بأمورك وتدعني وشأني؟

 

 

-         آه.. رأسي يدور

-         بْلا.. بْلا.. بْلا.. بْلا..

-         أصمتْ قليلاً يا هذا!

-         النجدة! أفقد السيطرة على نفسي..

-         زفوم.. زفوم.. إن جوفي يتقلب في داخلي..

كلها كلمات تصطدم بالفراغ. هناك شعور شامل بالغثيان والدوار.

في عمق الأفق البعيد، نرى جبلاً صامتاً.

 

في بلد الآبار، يحاول البعض منهم أن يملأ فراغه بطرق مختلفة.

-         اللعنة.. أريد أن أملأ بئري.. أوبلا.. أوبلا.. أيضاً وأيضاً وأيضاً

-         عندي رغبة في انفعالات وأحاسيس مختلفة.. رغبة في السكر.. سوف أفعل ما يحلو لي.

 

قسم المفكّرين: ممنوع الإزعاج.

يبدو أن حبّ العلم يؤذي عيون صاحبنا البئر. لكن بالمقابل، ها هو يتلقى النور: تتفتح بسلاسة بصيرة فكره التي لم تشبع ولن تكتفي!

 

 

(يفكر) أخيراً.. ها إني امتلأت! هيا إرتاح يا جوفي الآن!

إنّ "البئرة" الصغيرة المغرورة تُصدر أصواتاً ونداءات بينما تستخدم مرآتها الكبيرة... هذا كي تجذب إليها انتباه صديقها.

أما هو فيبدو لامبالياً، مزدرياً ما يدور حوله، مهتماً فقط بنفسه.

-         أنا.. أنا.. أنا..

 

وآخرون يهتمون في ترتيب حاجياتهم المختلفة أمام الجميع بغية عرض ممتلكاتهم وغناهم.

-         من لديه أكثر، يطلقها خارجاً على مرأى الجميع!

-         لنرى من الرابح!

 

 

بين المتبارين لا بد لواحد أن يربح. ها هو يتظاهر بالتواضع! وها هم الآخرون يحدقون به وملؤهم الحسد والغيرة.

-         أه...

-         أوه..

-         يا إلهي.. لديه الكثير من الممتلكات!

-         هذا ليس عدلاً!

-         إنه الغضب الذي يجعلك تتكلم!

-         أنا لا أهتم بكل هذا!

 

داخل الآبار فراغ مرعب، عميق.

إنّ الآبار تتساءل مرتبكة وضائعة:

لمَ علينا أن نكون آباراً إذا كان الفراغ يملؤنا؟

 

ها هي الآبار مرة أخرى، ضعيفة، مرتخية وأيديها تنحدر في جوفها وتتأرجح في حزن عميق..

وفجأة يتداخلها شعور غريب.. الأيادي تتراجع برعدة..

- إنّ هذا ماء.. ماء؟؟؟

 

وبدأت الآبار تتناقل الحدث، وبدأ الخير ينتشر. إنّ لمس الماء يُعدّ مجازفة.

-         آه.. لا أستطيع

-         أرررررررررررر..

 

بينما يفرغ سطحه، يشعر البئر الأحمر بالحاجة إلى التعبير عن اكتشافه.

-         أقسم لكم، للوهلة الأولى شعرت بالرعب، ولكن...

-         أبله..

-         هاهاهاها..

-         مضحك وسخيف..

-         لا تروي لنا قصصاً فارغة!..

لكنّ البئر الأبيض يريد المحاولة بنفسه، متحاشياً بالطبع مجازفةً مندفعة، متهورة وغير مضمونة. من الأفضل التقصي مستعيناً بفطنة العلم وتجهيزاته الحديثة...

 

رائع! يجدر بنا المجازفة ولمس الأعماق مهما كان الثمن، حتى ولو اضطررنا إلى تفريغ سطح البئر.

 

سَكينة السلام بدأت تملأه، وانتعاش سري برز عليه شيئاً فشيئاً... أخذ يطفو.. يقرقر..

 

ظهر أخيراً على سطحه.. وطاف..

 

نضارة جديدة غمرته.

رفع عينيه المليئتين بالدهشة وعرفان الجميل وكأنه يحاول أن يجد جواب من علُ.

 

السماء لا تجيب. الجبل وحده يبدو مهتماً ويستقبل الأعجوبة: إعجوبة المياه.

 

 

يستمر البئر الأبيض في التنقيب والحفر حتى الأعماق.

على قدميه نبت اخضرار طريّ ونضر.

والجبل نفسه بدأ يتلوّن بالعشب الصغير الجديد الذي شكّل حضر عذب وصداقة لطيفة ترتفع متجهة نحو السماء.

 

-         لا.. لا أستطيع.. لا أستطيع الاحتفاظ بها لنفسي. أريد أن أجعل من نفسي ماءً تروي ظمأ الصحراء، وتعطي الحياة لبلدتي. خذوا الحياة.. حياة بوفرة..

 

لكنّ الآبار الأخرى حوله صبّت كل اهتمامها فقط في توسيع وتكبير خزّاناتها الخاصة.

 

-         سترانغ!..

-         ستراتش!...

-         ما الذي يدفعك لذلك؟

-         أبله، ماذا تنفعك الورود؟

-         لا يهمني

-         ألا ترون أن هذا بالفعل ماء؟

 

حضنت بعض الآبار كل ما تملك بقوة. ثمّ انتصبت كجبهة صلبة خوفاً من خسرانها.

 

في أماكن أخرى، قريبة من الجبل، بعض الآبار أرادت المحاولة.. وقررت أن تضحي بما تملك.

-         أنا سأجرّب!

 

أعجوبة! إنّ الماء يتدفق دون انقطاع، وعلى الجوانب تفتحت الورود..

إنّ الجذور الغائصة في الأرض لاحظت أنها غير منعزلة: تيار مشترك يربطها ويحييها. وها هي الآبار، مندهشة، تكتشف أن المياه تجمعها.

 

-         لنتصافح يا أخي.

-         مياه منعشة

-         مياه تتمتم في داخلي

-         كم من السلام على ضفافي!

 

وفي لمح البصر، وُلدت فكرة جديدة:

-         لمَ لا نبحث عن النبع؟

-         ولمَ لا..

-         لم لا نستكشف مجرى المياه الذي يجمعنا؟

 

يا للعجب! غير معقول! عن الجبل يظهر الآن في سرّه الباهر. وأيادي الآبار تلمس النبع.

إنّ الآبار تركع مذهولة وعيونها متجهة نحو الجبل.

-         ومع ذلك، إنّ الجبل كان دائماً أمامنا!

-         كان ينظر إلينا ويحمينا، نحن الأقزام الصغار مقابله.

-         وكان يهتمّ بنا أيضاً في الأيام الخالية من نور الشمس.

-         وفي الأيام الذهبية والصافية، كان ينيرنا..

-         ولم نكن ننتبه أبداً لعمله!!!

 

فهمت الآبار الآن كل شيء. إن شريعة النبع تريدها مغمورة وسعيدة. الجميع على نفس المستوى: كبيراً كان أم صغيراً، قصيراً كان أم طويلاً، واسعاً كان أم ضيقاً...

 

أخذت الآبار تحفر مستعينة بمعاول كثيرة.

 

-         لنحفر يا أخي كي نجد مكاناً أوسع للماء.

-         لنحفر كي يُزهر بلدنا...

 

وبدأ السباق الأخوي بين من يقدّم أكثر.

المياه التي لا تحتويها الآبار تدفقت إلى الخارج.

لم تُشاهد مثل هذه الأعجوبة السحرية من قبل: على قدر ما تنتقص المياه من الآبار، على قدر ما تتدفق المياه وتزيد...

وها هي الأرض المجاولة تدخل حلقة السباق.

وتُضاعف بدورها الحياة.. حتى ضحكت سطح الأرض. وضحكت الآبار وضحكت الزهور.

ابتسم الجبل الكبير، جبل بلد الآبار.

scuola Nazareth

al fidar photo