الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

المقالات

عيد الميلاد والغني الخجل

 عيد الميلاد والغني الخجل

 عشية الميلاد من تلك السنة – شأنها في كل سنة – أعدت الأم حنة العدة لتصطحب أبناءها إلى المهد .

دعت سمعان الفلاح ، وعازر الحداد ، واندراوس الذي ما زال يذهب إلى المدرسة . كان هؤلاء الثلاثة  أصغر أبنائها وأعزهم عليها وأقربهم إلى قلبها ، لأنها وضعتهم في سنها المتقدم.

كان لها أيضا ابن آخر ، يوسف ، جاءها من زواج سابق ، فكان متقدما في السن ، ثقيل المشية ، ضعيف البصر . عمل كثيرا في حياته وادّخر كثيرا، فأصبح موفور الحال مما مكّنه أن يبني بيت العائلة على نفقته ويساعد أمه على تربية اخوته . وما كان هذا إلا ليثير اخوته عليه ، لأنهم رأوا انه من الظلم أن يملك هو ما يمكّنه من مساعدتهم بينما لا يملكون هم ما يمكّنهم من الاستغناء عنه . وإذا حصل أن التقوا به في الشارع ، هزؤوا به قائلين : " هوذا البرجوازي يأتي ... " .

أما هو فكان يعيش في منزله ببساطة وصمت ، يتألم لعدم مقدرته على أن يتجنب عداوة اخوته له .

أما في عشية الميلاد هذه فجاءت الأم حنة وقرعت بابه قائلة :

_ يوسف ، بني ، إنني على وشك الذهاب لأسجد ليسوع مع أبنائي . ولكن الطريق طويل إلى بيت لحم ، وليس لدي ما يكفي من الزاد . فهلاّ سمحت لنا أن نستفيد من المؤونة التي تدّخرها في بيتك !

فأجاب يوسف :

- يا أمي ، كل ما هولي هو لك . هوذا مفاتيح المخزن وبيت المؤونة والقبو . تناولي كل ما أنت بحاجة إليه دون حرج . فلا ينبغي أن ينقص اخوتي شيء للسفر في هذه المناسبة العظيمة . 

أخذت الأم حنة ما طاب لها من الزاد وقفلت راجعة . لكنها ما عتمت أن عادت إليه بعد قليل :

_ إن معطف أخيك خرقة بالية ، وقد يشكو من البرد في الطريق . فهلاّ تنازلت له عن واحد من معاطفك الكثيرة !

_ اذهبي ، يا أمي ، خذي المعطف الذي ارتديه يوم الأحد . انه لفرح عظيم لمعطفي أن يذهب إلى بيت لحم على منكبي أخي .

أخذت الأم حنة المعطف ولكنها عادت مرة أخرى :

_ ان حذاء أخيك عازر قديم ، ولا يمكن ان يحتمل وعر الطريق . ان احذيتك تزيد عن حاجتك ولا تخسر شيءا ان اعطيته واحدا منها . وان لم تفعل فقد يفكر بانتزاعها منك بالقوة ، لانه صبي قوي .

_ هلم ، يا امي ، وخذي حذاء العيد . انه لفرح عظيم لحذائي ان يذهب الى بيت لحم في قدمي أخي .

تناولت الام حنة الحذاء وذهبت . وما هي الا هنيهة حتى ارتفعت في فناء الدار ضجة الرحيل . عندئذ ظهر يوسف على العتبة والخجل يعلو محياه .

_ يا أمي ، ألا تأخذينني أنا ايضا لأسجد معكم ليسوع ؟

وفي الحال استشاط الاخوة غضبا واستياءً :

_ ان يسوع ليس بحاجة الى الاغنياء ... يسوع لم يأتِ لأغنياء ... يسوع لعن الاغنياء ...

_ على كل حال ، قالت الام حنة ، ان سنك المتقدم لا يمكَنك من اللحاق بنا ، ومشيتك الثقيلة ستعيق سيرنا .

عندئذ سحب يوسف من اصبعه خاتمه الذهبي وقال :

اندراوس اخي ، انت فتي يافع . فخذ خاتمي هذا وقدمه عيدية لسيدنا الصغير .

_ كلا ، اجاب اندراوس . فقير انا ، ولن أحمل ليسوع الا هدايا الناس الفقراء ، تلك الوحيدة التي يحبها . ان ذهبك لا يساوي شيئا لديه .

_ هذا صحيح ، أجاب يوسف بتواضع . احتفظ اذن بالخاتم لك ، أما ليسوع فاحمل قلبي كي يشفق عليّ ويرحمني .

_ قلبه ! ... ها ها ها ... عنده قلب ... البرجوازي عنده قلب ... قلب الغني ... يا سلام !

وضحك الاخوة . اما الغني فطأطأ رأسه حزنا  أسىً لانه أقصى عن نعمة الميلاد .

_ هيا بنا !

قالتها الام حنة وسافرت مع أولادها ، كل اولادها ، ما عدا يوسف . وما ان وصلت القافلة الصغيرة الى بيت لحم حتى تحول الاسطبل الى ساحة عيد . الام مريم والام حنة تتبادلان عبارات الفرح باللقاء ، اذ تعارفتا منذ زمن بعيد . وفي كل سنة كانت الام حنة تسلك نفس الطريق لتعرب عن اعجابها وتسبيحها لابن مريم ، وكانت مريم تستفسر بود وابتهاج عن كل ابناء صديقتها حنة .

_ ها هم ، قالت الام حنة ، من بيده المنجل هو سمعان ، ومن بيده المطرقة هو عازر ، ومن بيده كتاب هو اندراوس . أليسوا فتيانا اشداء ، كلهم قوة وعزيمة ؟ لا شك اننا سنحقق اشياء رائعة مع هؤلاء الفتيان .

_ ينقص واحد ، قالت مريم .

_ لا أحد ، قال اندراوس .

_ البرجوازي ، قال عازر .

_ انه يوسف ، شرح سمعان .

_ أنا لا أعرف البرجوازي ، قالت مريم ، بل أعرف يوسف . أنا لا اعرف الناس الا باسمائهم . ولكن لماذا لم يأت يوسف ؟ أليس انسانا ذا ارادة صالحة ؟

_ انه غني ، قال سمعان .

_ انه صاحب عمل ، اردف عازر .

_ قال ابنك : " الويل للاغنياء " ، أضاف اندراوس .

_ لقد تصلبت ساقاه ، قالت الام حنة ، ويعذر عن السير بالسرعة التي نسير بها . تركته في البيت لئلا أصل متاخرة .

غابت مريم لتأتي بالطفل من المذود ورجعت واجلسته على ركبتيها ليقبل ، حسب العادة ، السجود و التقادم .

_ هلموا ، ايها الفتيان ، واسجدوا له ، قالت الام حنة .

فخرّ  الابناء الثلاثة ساجدين .

_ اسجد لك ، يا يسوع ، قال سمعان . سلاما ، يا سيد الفقراء ومحبهم ! أنا فقير مثلك ، واني أقدم لك ، مع منجلي ، تعب الفصول الاربعة .

نظر اليه الطفل ولكنه لم يبتسم . فقالت مريم :

_ انه لا يرغب في منجلك . اعطه بالاحرى معطفك .

وتقدم عازر وقال: 

_ اسجد لك ، يا يسوع . سلاما ، ايها المسيح العامل ! انا عامل مثلك ، واقدم لك مع مطرقتي ، تعب الاسبوع كله . أصغي اليه الطفل ولكنه لم يبتسم . فشرحت مريم :

_ انه لا يريد مطرقتك . أعطه بالأحرى حذاءك .

فتقدم اندراوس وقال :

_ اسجد لك ، يا يسوع . سلاما ، يا ملك الازمنة الجديدة ! انا هو الثائر الذي سيهدم ، باسمك ، المدينة الطالمة لأبني مكانها ملكوتك . وها ان اقدم لك ، مع كتابي ، سهر وجد كل الليالي .

ولكن الطفل أدار رأسه . فشرحت مريم :

_ لقد خاف من كتابك . أعطه بالاحرى خاتمك .

فنهض الابناء الثلاثة تاركين عند قدمي الطفل ، في الاسطبل ، المعطف والحذاء والخاتم تحوطها هالة من الشعاع . وكان السيد الصغير يضحك مبتهجا ويمدّ يديه الصغيرتين الى هذا الشعاع كطفل يسليه لهب النار الجميل .

عندئذ قالت مريم :

_ اشكرك ، يا حنة ، واشكر ابناءك لانهم حملوا الى طفلي هذه الهدايا المشحونة بالحب . الحق أقول لك ، في كل واحد من هده الأشياء حب أكبر مما في حياة باكملها اختلط العرق فيها بعلقم الحقد . الى اللقاء ، يا سمعان وعازر واندراوس ، وتذكروا : ماذا ينفع الفقير ان يكون فقيرا اذا فقد الحب ؟ الى اللقاء في السنة القادمة ، يا صديقي حنة . عودي الى البيت وقولي ليوسف :

_ في هذه السنة ، حلّت بركة الميلاد على من لم يتمكن من المجيء الي بيت لحم .  

 

scuola Nazareth

al fidar photo