القديس الأب البار دانيال العمودي ( نحو 489)

 

ولد دانيال في بلاد ما بين النهرين بالقرب من نهر الفرات. كانت أمه عاقراً فقضت سنوات كثيرة تتضرع إلى الله أن يهبها طفلاً ونذرت بأن يكون خادماً للرب. فرزقها الله  بطفل، ففرحت به فرحاً عظيماً ودعته دانيال. فربته على الإيمان والتقوى وعندما أصبح ابن اثنتي عشرة سنة أخذته بيدها إلى الدير وقدمته لخدمة الرب. وسمع عن القديس سمعان العمودي فكانت أمنيته أن يلتقي به ويستقي من تعاليمه وإرشاداته، فلبى له الله هذه الأمنية فبقي عنده 14 يوماً يتعلم ويصغي إلى إرشاداته.

ونزل إلى البرية المجاورة وكان فيها معبد للأصنام قديم متهدم وكان الناس يخافون المرور بهذا المعبد لما كان يروى عن وجود الشياطين فيه. فاتخذه دانيال منسكاً له وقام هناك يمارس أعمال النسك الشديدة مقسماً أيامه ولياليه بين الصلاة والتأمل وشغل الأيدي وترتيل المزامير. فوصل بالصبر والمثابرة على تلك الحياة الملائكية إلى أسمى درجات القداسة الرهبانية، ومنحه الله صنع فصار يدهن المرضى بالزيت المقدس ويشفيهم من أمراضهم، فذاع صيته في تفك الجهات وتوافدت إليه الناس تطلب شفاعته وبركاته.

 فحرك الحسد بعض الإكليركيين في العاصمة، فقاموا ينددون بأعماله ويشيعون أن هذا الناسك الغريب إنما جاء من بلاد بعيدة طمعاً في الظهور، وإنما سكن تلك الأخربة ليوهم الناس أنه ناسك كريم وأنه سحر الناس بشعوذته وأكاذيبه. وكاد أولئك ينجحون في عملهم ويستميلون البطريرك أناطوليوس بأساليبهم وأكاذيبهم، فصبر دانيال على تلك الحرب التي شهروها علانية، وكان دائماً متجهزاً لمغادرة منسكه إذا طردوه منه.

لكن البطريرك أناطوليوس القديس كان حكيماً فاضلاً تقياً متأنياً، بعيداً عن الأغراض الشخصية والمصالح الذاتية، لا ينظر في سلطته العالية إلا وجه الله. فحقق في أمر دانيال فوجده رجل الله حقاً، فاحترمه وأكرمه  والتجأ إلى شفاعة صلواته في مرض كان قد أصابه.

وبقي دانيال تسع سنوات مثابر على تلك الحياة الملائكية، يشدد على نفسه بالإماتات، ويواظب على التأمل والصلوات ويعظ الشعب بكلام الله.

وقبل دانيال الدرجة الكهنوتية وصار يقيم الذبيحة الخلاصية ويوزع الغفران والنعم وساعد كثيراً بصلواته ومواعظه ونفوذه على دحض بدعة القائلين بالطبيعة الواحدة. وذهب دانيال العمودي إلى القسطنطينية يدافع عن الإيمان الكاثوليكي، فجرى له استقبال منقطع النظير، فحملوه على الأكف والناس يدوسون بعضهم بعضاً. نظر إليه أحد الرجال واستهزأ به وقال ضاحكاً: هذا قنصل من الطراز الحديث محمول على الأيدي. فما كاد رفاقه يسمعونه ويضحكون حتى وقع مغشياً عليه فأحاطوا به فوجوده جثة هامدة قصاصاً له على استهزائه برجل الله، وإرهاباً لسامعيه.

 

وعاد دانيال إلى عموده وإلى نسكه وإماتاته وصلواته وإرشاده للتلاميذ وبقي على ذلك حتى صار ابن ثمانين سنة، وقبل وفاته بثلاثة أيام احتفل الذبيحة الإلهية ووزع بيده القربان الأقدس على جميع الحاضرين.

ثم رقد بالرب يسوع رقود القديسين وطارت نفسه إلى المساكن العلوية تحف بها أجواق الملائكة وكان ذلك نحو سنة 489.