الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

المقالات

من هي مريم المجدليّة؟

 من هي مريم المجدلية؟

بقلم الأب السالزياني داني قريو.. 

ولدت القديسة في بلدة مجدلة الواقعة غرب بحيرة طبرية عند سهل جناسرت. واشتهرت بالعمل بصبغ الجلود ومصانع الغزل. لقد عاشت مريم المجدلية حياة الترف لأنها كانت من طبقة غنية وتتنعم بظروف اجتماعية مريحة ولم يكن يعكر صفو حياتها إلا الشياطين السبعة الذين دخلوها، لقد كانت الشياطين تتحكم في تصرفاتها فكانت تعاني معاناة قاسية، لقد أفقدتها الشياطين التحكم في العقل والقلب.


يذكر الإنجيل أن الرب يسوع أخرج منها سبعة شياطين، هي التي كانت تنعم بوسط اجتماعي مرموق، إلا أنها عانت من سبعة شياطين جعلتها مرتاعة (لو8 :1-3) بعد أن تحكمت في جميع تصرفاتها، إلى أن التقت بالطبيب الإلهي، فغمرها برحمته وحررها من قيودها، زارعاً السلام في قلبها، بعدما ذاقت الأمرين. يكفي أن نتذكر الولد المصاب الذي كان مسكون من شيطان واحد "يا رَبّ، أَشفِقْ على ابني، فإِنَّه يُصرَعُ في رَأسِ الهِلال، وهو يُعاني آلاماً شديدة: فكثيراً ما يقَعُ في النَّارِ وكثيراً ما يقَعُ في الماء، وقد أَتَيتُ بِه تَلاميذَكَ، فلَم يَستطيعوا أَن يَشفُوه" ( مت 17 :15 ) فلكم أن تتخيلوا كيف كانت مستعبدة من سبعة شياطين) فللحال أمر تلك الأرواح التي تعذبها أن تخرج منها ولا تعود ثانية. ومنذ تلك اللحظة غمر السلام قلبها وشعرت بالطمأنينة تتغلغل في كل كيانها، هي التي كانت كالمركب في البحر الهائج تصدمه الامواج من كل صوب.


لم تقف القديسة مريم المجدلية أمام قوة العمل الإلهي متفرجة، بل أعطت الرب كل قلبها، وكرست وقتها ومالها ووضعت حياتها بين يديه. لقد أيقنت أنّه نورها الذي لا ظلمة فيه، فاستنارت حياتها بنوره، وصارت تعمل في النور، وأصبحت هي بدورها نوراً لنساءٍ كثيرات "يونّا امرأة خوزي وكيل هيرودس و سوسنة وأخر كثيرات كنّ يخدمنه من اموالهنّ " (لو8 :1-3).

لقد تبعت الرب يسوع في أصعب الايام، يوم تركه أقرب المقربين له وهربوا. تبعته في أيام الظلام الحالك، -هي التي غمرها المعلم من نوره، من السنهدريم حتى دار الولاية، ثم قصر بيلاطس البنطي، وإلى مقر هيرودس، فبيلاطس ثانية غير عابئة بما سيحدث لها ، ورأته وهو يقاد إلى الجلجثة حاملاً الصليب، وقفت أقرب ما إستطاعت عند أقدام الصليب، وشهد رئيس الجند وهو يطعنه بالحربة. كانت شاهدة على طعن جنبه وولادة الكنيسة. ولم تغفل عندما أنزلوا الرب من على خشبة الصليب، ولربما ساعدت أيضاً يوسف الرامي ونيقوديموس في إنزال الجسد المسحوق، وتطييبه للدفن ووضعه في القبرة المجهز له. حتى دحرجوا الحجر عند أقدام المخلص في أشد لحظات تعبه أثناء الصليب ومعها القديس يوحنا الحبيب وقفت تبكي بحرارة متألمة من الذل والهوان الذي يلاقيه من خلصها من أتعابها مع الشياطين السبعة ، في الجلجثة ، بدأت مريم المجدلية المحبة الوفية وقد اتشحت بالسواد والحزن وكساها ثوب الألم ووقفت تذرف دمع المحبة الصادقة الوفية حتى وضعوه في القبر.

لقد أراد السيد المسيح أن يكافئها، فقُدِّر لها أن تكون أول من أكتحلت عيناها برؤية المخلص بعد قيامته " وفي يَومِ الأَحَد جاءَت مَريمُ المِجدَلِيَّةُ إِلى القَبْرِ عِندَ الفَجْر، والظَّلامُ لم يَزَلْ مُخَيِّماً،" (يو 20/ 1). بينما كانت أشعة الشمس تنتشر فوق أورشليم، كانت تتسابق الخطا للقاء جسد المخلص.


أود أن أختم بالتعليق على هذه الآية "وفي يَومِ الأَحَد جاءَت مَريمُ المِجدَلِيَّةُ إِلى القَبْرِ"أن القديس يوحنا الإنجيلي يبدأ الفصل العشرون قائلا: أن مريم المجدلية وصلت القبر في "اليوم الأول من الأسبوع" لا يقول في اليوم الثالث من الصلب، إنّما في اليوم الأول بعد السبت (الاحد) وكأنه يقول: ولادة الزمن الجديد، الخلق الجديد، اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء. وأيضاً نجد الدلالة الزمنية "عِندَ الفَجْر، والظَّلامُ لم يَزَلْ مُخَيِّماً " لا يعطي الانجيلي لنا دلالات زمنية! فنحن نعلم أنه عند انبثاق أول شعاع من الشمس –عندالفجر- تختفي الظلمة. أما هنا نراه يقول: "عِندَ الفَجْر، والظَّلامُ لم يَزَلْ مُخَيِّماً"! إنَّ الإنجيل يصف حالتها الروحية، فنراه يقول عند خروج يهوذا بعد عن عزم على خيانة الرب: "فتَناوَلَ اللُّقمَةَ إِذاً وخرَجَ مِن وَقتِه، وكانَ قد أَظلَمَ اللَّيل " لايريد الإنجيلي التعبير عن البعد الزمني إنما الحالة الروحية أو النفسية التي يعيشها. وكذلك عندما يصف الحالة الروحية النفسية لمريم المجدلية... هناك فوضى في عقلها... لقد رأت فيه أكثر من إنسان، رأته السيد والرب.. لكن في نفس الوقت رأته يموت، هي من وضعت الطيب على جسده ولم تنته من تطييبه. دماغها في فوضى عارمة... لكن الحب يجعلها تُسرع الخطا لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه. وحينما ترى أن الحجر قد دُحرج، تظن أنَ أحدهم قد سرقه: "فرأَتِ الحَجَرَ قد أُزيلَ عنِ القَبْر. فأَسرَعَت وجاءَت إِلى سِمْعانَ بُطرُس والتِّلميذِ الآخَرِ الَّذي أَحَبَّهُ يسوع، وقالَت لَهما: أَخَذوا الرَّبَّ مِنَ القَبْرِ، ولا نَعلَمُ أَينَ وَضَعوه".

كذلك عندما نفقد من نُحب، عندما نقع في خيبة أمل، عندما تسود الدنيا في عيوننا، تتضارب الأفكار في رؤسنا... ونحلل بإتجاه معاكس... "أخذوا الرب". حالة مريم في إنجيل القيامة، هي حالة كل شخص واقع في أزمة... لايرى الحقيقة، لا يرى نِعَم الرب، لايتذوق معجزات الرب... المجدلية عندما رأت الحجر قد دُحرج أسرعت إلى بطرس ويوحنا، نسيت وعود الرب عن القيامة، نسيت خطبة الوداع، نسيت أمثال الرب... ذهبت لتبحث عن الحل المادي... تخبر الرسل تعالوا ساعدوني... وكان التلميذان في تسابق إلى القبر، ويبدو أنّها لم تستطع اللحاق بهما، فأسرعت تجرُّ قدميها جهد المستطاع وحين وصلت ثانية إلى القبر، كانا الاثنان قد غادرا المكان، فوقفت وحيدة هناك تبكي، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وحديثها مع مّن ظنت أنه البستاني، يهتف بأصداء محبتها الصادقة. " لِماذا تَبْكينَ، أَيَّتُها المَرأَة، وعَمَّن تَبحَثين؟"فظَنَّت أَنَّه البُستانيّ فقالَت له: "سيّدي، إِذا كُنتَ أَنتَ قد ذَهَبتَ بِه، فقُلْ لي أَينَ وَضَعتَه، وأَنا آخُذُه " إنّها لم تستطع
" إنّها لم تستطع أن تنطق الاسم الغالي على قلبها، فصدمة الحزن ماتزال تذهلها. بل لم تنطق بالاسم المبارك، ظنّاً أن كل واحد في الوجود لابد أن يعرفه. لقد كان "يسوع" يحتل عقلها وقلبها. وما أجمل كلام الرب لها: " قالَ لها يسوع: "مَريَم!" فالتَفَتَت وقالَت له بِالعِبرِيَّة: "رابُّوني!" أي: يا مُعلِّم." وما أعظم فرحتها عندما سمعت اسمها وعرفته... لقد غمرت الفرحة أرجاء قلبها... ومن بعد هذا اللقاء تتحول من الحزينة، من صاحبة الافكار المشوشة "عند الفجر ومازال الظلام مخيماً" إلى مبشرة بالقيامة... هذا مايريدنا الرب أن نقوم به... مهما كانت آلامنا وأحزاننا وهمومنا. يجب ألا نكفّ عن السعي، فالحب الذي يملأنا يحثنا على المثابرة، يحثنا على البحث، وطالما نحن نبحث، سيأتي الرب بنفسه وينادينا، سيأتي بنفسه ويلمسنا ويملأؤنا سلامه وفرحه الذي لا يوصف! "إنّكم بثباتكم تكسبون أنفسكم" (لو 21/ 19)


االمهم أن نستمر بالبحث مهما أظلمت الدنيا في وجهننا، فشمس الحق إلا وأن تُشرق من جديد في حياتنا، وتنير كل ظلماتنا، فيبزغ فجر يومٍ جديد بنعمة الرب يسوع وبنكهة السماء الجديدة.

نحتفل بالقديسة مريم المجدلية في الثاني والعشرين من شهر تموز/يوليو من كلّ عام..

                                      الأب السالزياني داني قريو - سالزيان الشرق الأوسط 

 

 

 

 

 

scuola Nazareth

al fidar photo